عبد الملك الجويني

402

نهاية المطلب في دراية المذهب

الدين منعُه من الخروج ؟ فعلى وجهين : أقيسهما - أنه لا يمنعه ؛ لما مهدناه من أن المطالبة لا تحل قبل حلول الأجل وإذا لم تكن مطالبة ، فلا مؤاخذة ، ولا اعتراض . والوجه الثاني - أن له أن يمنعه لما أشرنا إليه ، من ابتناء السفر على المصير إلى مصرع الموت . وذكر بعض الأصحاب وجهاً فيه إذا خلّف وفاءً أن له أن يمنعه أيضاً ، وهذا على نهاية الضعف والبعد . فينتظم ثلاثة أوجه : أحدها - لا منعَ ، وهو الأصح . والثاني - له المنع من غير تفصيل ، وهو أضعف الوجوه ، والثالث - أنه إن ترك وفاءً لم يمنعه . وقال قائلون من أئمتنا إذا كان من عليه الدين من المرتزقة ، فلا يمنع ؛ فإنه مترتب لهذا الشأن ، بخلاف ما إذا لم يكن من المرتزقة ، وإذا ضممنا هذا التفصيل إلى الأوجه التي قدمناها ، صارت الأوجه أربعة . هذا منتهى القول فيما يتعلّق بالديون ، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في معركة القتال يوماً : " من وضع سيفه في هؤلاء مقبلاً غير مدبر ، حتى قتل ، فله الجنة " . فقال بعض الأنصار ، وكانت بيده تمرات يأكلها : " ليس بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ، ورمى بالتمرات ، واخترط سيفه ، وكسّر غمده ، وانغمس في العدوّ ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا أن يكون عليك دين ، فعاد وانغمس حتى قتل " ( 1 ) . فهذا ما يتعلّق بالدين . 11284 - ومما تجب رعايته في الخروج إلى الجهاد الموصوف بكونه فرض الكفاية رضا الوالدين . قال الشافعي : " وبإذن أبويه لشفقتهما " ( 2 ) . فنقول : إذا كان أبواه مسلمين ، لم يكن له الخروج إلى الجهاد دون إذنهما .

--> ( 1 ) حديث " من وضع سيفه في هؤلاء مقبلاً غير مدبر . . . " رواه مسلم : الإمارة ، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين ، ح 1885 ، الترمذي : الجهاد ، باب ما جاء فيمن يستشهد وعليه دين ، ح 1712 ، النسائي : الجهاد ، باب من قاتل في سبيل الله تعالى وعليه دين ، 3157 - 3160 ، وأحمد ( 5 / 304 ) . ( 2 ) ر . مختصر المزني : 5 / 181 .